الجمعة، 5 أبريل، 2013

مـــراحـــل الحـــب


مـــراحـــل الحـــب

نحب الجسد ولا نثق به. نطرب إليه ونخافه. نُجنّ به ونشمئزّ منه. 
يأتينا الحبّ في محطّات معيّنة حبّاً لموجود في غير الموجود أو حبّاً لغير موجود في موجود . 

هذا الضياع ربْع المبصر هو الينبوع الأكبر للتجاذب والحلم .. كما أنه المصدر الرئيسي للآداب والفنون .. ومحرك الحياة في الكائنات بأسرها .. 

سمّهِ روحاً أو هورموناً .. سمّه غريزةً أو حاجة .. يبقى هو نفسه .. تتغير تجلياته ولا يتغير سره .. 

تتطور وسائل مقاربته ولا يزال في بدايات الإعلان عن نفسه .. وكلما تقدمتْ بنا الوسائل ازداد هو التباساً .. وهذه كبرى رحماته .. 

الجسد المرغوب باب بين الواقع والحلم . المثالي هو أن ينفتح الباب فيدخل المجتاز من واقع إلى حلم أو من حلم إلى حلم .. لا أن يهبط من حلم إلى واقع .. 

إحدى الخطايا الأصليّة هي هذا التدهور .. المعنى الجوهري للسقوط هو الإفلات من مخالب الانخطاف والارتطام بالحضيض. الجسد المرغوب احتمالُ نجاة. كلّ ما يسعف هذا الاحتمال على الصمود يدخل في باب الواجب. ويتجاوز هذا الواجب حدود الشكل ومقتضيات الرغبة والمتعة بمفهومهما المحدود ليصبح واجباً إنسانيّاً. الجسد المرغوب تجديد لصبا الحياة. 
لا بد للمرأة مما يجعلها تبدو فاتنة فوق ما حَبَتها الطبيعة به من مفاتن، لا أن تتراجع وراء خطوط عطايا الطبيعة أو تستخف بهذه العطايا .. 

لا تستطيع المرأة أن تستسلم (أمام العيون) إلى الواقع «الطبيعي» وإلا انكشفت لها عيوب تُدمر صورتها في خيال الرجل .. وتدمر الرجل وعلاقته لا بها وحدها بل .. عبرها .. علاقته بنفسه وبالعالم .. 

إن استهتار المرأة بصور انعكاسها في ذهن الرجل يشكل خطراً على رجولة الرجل بقدر خطره على أنوثة المرأة .. الأولى لا كغريزة جنسية فحسب والثانية لا كفريضة ظالمة بل كلتاهما كدعامة كبرى من دعائم الترقي وبواعث التقدم.. 

وعلى الأعمّ وبتعبير أبسط: كدعامة من دعائم الحس الإنساني .. ما وراء الاكتفاء بتعريفات الرجولة والأنوثة . 

وماذا نفعل .. يسأل سائل .. بحق المرأة في التمرد والاسترخاء ورفض القيود ولماذا يحق للرجل ما لا يحق لها ؟ 

الجواب أن واجب الرجل في إغراء المرأة كواجب المرأة في إغراء الرجل .. ممنوع فيه الاستهتار وحتى الاسترخاء إلا في حالات التذاوب .. وذلك تحت طائلة دفع الثمن عاجلاً أو آجلاً .. 
وكلّ ما يختلف بينهما على هذا الصعيد هو الأسلوب والتقنيّات .. ولنختصر الموقف بكلمتي لياقة وجهوزية: لياقة الشكل ولياقة النظافة .. والبقاء في حالة استعداد .. 

أمّا لجهة تمرّد المرأة ورفضها القيود فما أرحب مجالهما في الحقل الأهم .. حقل التمرد على ما قد يمنعها من الانطلاق في الإغراء والفتنة .. لا ما يحلل لها التكاسل عن آداب الهفهفة والعياقة بحجة التقدميّة .. التمرد يجب أن يكون على ما ينقص لا على ما يتمم أو يزيد .. 
والجسد المرغوب غير مسؤول عن نوعية الرغبة التي يثيرها .. وبالقياس ذاته لا تُسجن الرغبة التي يثيرها بحدود نياته وخططه .. الجسد المرغوب حر والرغبة المثارة حرّة .. 
ولعل الرغبة أكثر حرية بمقدار ما أن النتيجة هي أحياناً فائضة على السبب .. والرغبة هي دوماً شابة .. لكن الجسد الذي يلهبها .. هو بالتأكيد أكثر شباباً منها. 

الخلاعة الجيّدة هي دائماً حسناء .. 
للمرأة الكثير مما تقوله في الجنس وممّا لا يتخيّله عقل الرجل .. لا أقصد الأطروحات النسوية ولا الدروس الطبية .. بل العالم الإيروتيكي والبورنوغرافي .. 

حتى اليوم اقتصر دور التخييل على الرجل .. هو ينطق باسمها وهو يلقّنها ما يُحب وما يكره .. هيمنة اتسمت بالمصادرة .. لأن خيال الرجل .. مهما قلنا عن عنصريته .. انطلق من ضرورة حماية الرغبة الذكرية مما يهددها .. من جفاف الواقع وتقزيزاته .. ومن بؤس حدود الطاقة الذكرية .. ومن ارتباط الشهوة ارتباطاً عضوياً بشعلة الحياة .. 

يعتذر هذا الكلام من المقام المعنوي في المرأة .. بطبيعته هو كلام عنصري .. 

هل يستطيع رأي يدلي به جنس في جنس آخر إلا أن يكون عنصرياً ؟ بالمعنى الحرفي للكلمة وليس بالمعنى السياسي المتداول .. عندما يفتقر الموقف الإيروتيكي إلى درجة معينة من فوارق العنصرية يصبح كظهر بلا عمود فقري .. 

الخطأ ليس الفرق، بل بناء نظام احتقاري واستغلالي على الفرق .. مع هذا يعتذر هذا الكلام .. ولا بد دائماً من الاعتذار للمرأة .. وحتى لو سلمنا بأن عهد التمييز الاضطهادي قد ولى .. وحتى لو أصبحت النساء حاكمات بأمرهن على مختلف صعد الحكم .. سيظل الاعتذار لهن في محله ... 

لم يكتف الرجل بمصادرة حقوقهن بل سبقته إلى ظلمهن الطبيعة بما حملتهن إياه من وظائف وضرائب .. ولعل من أصعب ما فرضته عليهن الخِلقة والعادات معاً أن يتحملن ذلك القسط الضخم من مسؤولية الجذب والجمال مع عدم إعفائهن ولا من شيء من نواقص الجسم البشري .. 

قد لا تستشعر المرأة نفسها مقدار التناقض المؤلم الذي ينطوي عليه هذا الوضع .. وقد تُكابر فترفض الاعتراف بمأسويته .. لكنه ماثل في طليعة لائحة المظالم التي تلحق بالإنسان عموماً وبالأنثى بوجه خاص .. وقد استودعها القدر مفاتيح السحر وأخضعها لحدود وشروط وتهديدات تنوء بها الآلهة .. 

ورغم هذا .. حين تنجو منها .. وكثيراً تنجو ما دام هناك نظر جديد ينسكب عليها تتجدد بها الثقة وكأنها إيمان لا مجرد ثقة.. إيمان لا يخبو وهجه إلا في الحالات القصوى .. عندما تضمحل في الإنسان كل قدرة على أي نوع من أنواع الأمل وتتخلى يداه عن التشبث .. 

الجسد ليس عنواناً للجسد .. إنما هو أشد ظلاله خطراً .. الجسد غصن من أغصان الذهن .. وهو وإياه في سباق الخيال .. 

يبدأ الجسد في الانتهاء حيث يبدأ التجسد .. وينبعث على الفور من رماده إذ تعكس العين عليه طلائع آمالها .. الأجساد زَبد الأحلام .. 

يحمل الجسد روحه كما يحمل الجنس حبه والرغبة حنانها .. نحن دمى لشاشة الرأس .. ورقصة الرأس أقوى من الموت .. 

ليست المرأة وحدها من يكسو عري الرجل لتراه .. الرجل أيضاً «يرى» في ردائها .. الرداء أكثر العناصر روحاً بعد العيون .. 

الجسد لحم السراب .. 
وعظمة الإنسان أن يضيف إلى الحياة شوقاً ..

ليست هناك تعليقات: